فوزي آل سيف

54

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

فكتب إلى والي المدينة ان يسأل موسى بن جعفر عن دار أردنا ان ندخلها في المسجد الحرام فامتنع علينا صاحبها فكيف المخرج من ذلك؟ فقال: ذلك لأبي الحسن عليه السلام، فقال أبو الحسن عليه السلام: ولا بدّ من الجواب في هذا؟ فقال له: الأمر لا بدّ منه. فقال له: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ان كانت الكعبة هي النازلة بالناس فالناس أولى بفنائها، وان كان الناس هم النازلون بفناء الكعبة فالكعبة أولى بفنائها فلما أتى الكتاب إلى المهدي اخذ الكتاب فقبله ثم أمر بهدم الدار فأتى أهل الدار أبا الحسن عليه السلام فسألوه ان يكتب لهم إلى المهدي كتابًا في ثمن دارهم فكتب إليه أنْ أرضخ لهم شيئًا فأرضاهم. 2/ وبمقدار ما كان الإمام عليه السلام مشغولًا بتوضيح المنهج الصحيح من خلال بيان العقائد الصحيحة والأحكام الشرعية المستندة إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد واصل منهج أبيه الإمام جعفر الصادق عليه السلام في مواجهة المناهج البشرية في فهم الأحكام العبادية، والتي تستند إلى القياس وفيما بعد إلى الاستحسان وما شابه ذلك في نفس الوقت الذي أعلى فيه من منزلة العقل وادراكاته كما يظهر للمتأمل في وصية لهشام بن الحكم في موضوع العقل وسيأتي الاشارة إليها. أما في رفضه للقياسات والاستحسانات والتي نعتقد أن الخلفاء العباسيين بل والحاكمين بشكل عام يرجحونها ويدعمونها لأنها تقرب المساحة لهم، وتعطيهم حتى هم ولم يكونوا متخصصين في فهم الدين والشريعة مساحة واسعة للحركة في أمور التشريع! بحيث يصبح الخليفة وهو إنما أهله للمنصب في الغالب نسبه لأبيه لا غيرـ بقدرة قادر متمكنا من أمور الشريعة ويحكم فيها بما ينبغي ولا ينبغي! ولأن هناك مصلحة للحاكمين في هذا فهم يحبون هذا المسلك والمنهج! في المقابل ولمواجهة هذا التسيب في فهم التشريعات، رفض الأئمة عليهم السلام ما سمته الأحاديث بالقياس وإصابة الدين بالعقول! وضمن هذا كانت محاورات الإمام موسى الكاظم عليه السلام مع فقهاء المذهب الحنفي الذين قربتهم السلطة العباسية بدءا من أيام المهدي العباسي وتصاعد هذا حتى بلغ ذروته أيام هارون الرشيد العباسي، فقد اجتمع مع أبي يوسف القاضي (توفي 181ه‍) وهو أحد تلامذة أبي حنيفة النعمان في محضر المهدي العباسي فقال: أبو يوسف للمهدي: تأذن لي أن أسأله عن مسائل ليس عنده فيها شيء؟ فقال له: نعم، فقال لموسى بن جعفر عليه السلام أسألك؟ قال: نعم، قال: ما تقول في التظليل للمحرم. قال: لا يصلح قال: فيضرب الخباء في الأرض ويدخل البيت؟ قال: نعم، قال: فما الفرق بين هذين؟ قال أبو الحسن عليه السلام: ما تقول في الطامث أتقضي الصلاة؟ قال: لا، قال: فتقضي الصوم؟ قال: نعم، قال: ولم؟ قال: هكذا جاء، قال أبو الحسن عليه السلام: وهكذا جاء هذا، فقال المهدي لأبي يوسف: ما أراك صنعت شيئًا! قال: رماني بحجر دامغ. ومثله صنع مع محمد بن الحسن الشيباني (ت 189ه‍) وهو أيضا من تلامذة أبي حنيفة مع الإمام عليه السلام، فقد سأل محمد بن الحسن أبا الحسن موسى عليه السلام بمحضر من الرشيد وهم بمكة فقال: أيجوز للمحرم ان يظلل على محمله نفسه فقال له موسى: لا يجوز له ذلك مع الاختيار، فقال له محمد بن الحسن: أ فيجوز له ان يمشي تحت الظلال مختارًا؟ فقال له: نعم، فتضاحك له محمد بن الحسن من ذلك فقال له أبو الحسن موسى عليه السلام: أتعجب من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتستهزئ بها؟ إنّ رسول الله كشف ظلاله في إحرامه